إيصال الافكار والثقافة والمشاعر عبر الألعاب

تجربة اللعب

في لعبة ico يغامر بطل اللعبة “إيكو” كي يخرج من القلعة المهجورة بعدما رماه اهل قريته فيها بسبب قرونه، وهناك يجد شخصية يوردا – Yorda، والتي لها قدراتها الخاصة، ومن اهما، القدرة على حفظ تقدمك ! 

لذا كي تتقدم في اللعبة دون خوف، يجب أن تمسك يد يوردا -بالضغط على زر ما- طوال ارتحالك، وعندما تجد مكانا للجلوس، تذهب اليه معها حتى يُحفظ تقدمك.

ذلك حتى تاتي المرحلة المخيفة، والتي تبتعد فيها عن يوردا، والآن لا يمكن أن تحفظ ما تفعله بعد الآن، وكل قرار تتخذته أو مكان تصل إليه، يكفي أن تموت حتى تعيد كل تلك المنطقة من جديد، فتصاب بالخوف من اتخاذ أي قرار !

ذلك كان أسلوب فوموتو يودا Fumito Ueda ليُشعر اللاعبين بالخوف من اتخاذ أي قرارات غير مدروسة، بل بالاصح، جعلهم يتعلقون بشخصية يرودا، فهي التي تتمسك بها بعدما هجرك أهل قريتك.

إيصال الأفكار

وذلك كان اسلوب رائع في إيصال المشاعر، لا حاجة لأفزاعك بوحوش مُخيفة، بل فقط باستخدام تقنية أساسية في اللعبة -مثل إزالة نظام الحفظ- قد يجعلك خائفا، فهنا كان إيصال المشاعر غير مباشر، ولكنه وصل كما يريده المطور.

لكن بالنسبة للأفكار، فأولا هي كل ما يتردَّد على الخاطر من آراء بالتأمل والتدبر، وما يخطر في العقل البشري، من أشياء أو حلول أو اقتراحات مستحدثة أو تحليلات للوقائع.

ومطور الألعاب شأنه شأن سائر البشر، لديه أفكاره وارائه الخاصة، لديه خواطره وحلوله حول مشاكل العالم، وإيصال الأفكار عبر الألعاب يتيسر بعدة طرق.

فيجب على المطور أولا تحديد ما هي الأفكار التي يريد إيصالها للاعب، هل هي فكرة عابرة صغيرة جانبية، أم أن اللعبة كلها تدور حول تلك الفكرة ؟ والكثير من الألعاب لا تعتمد على إيصال فكرة واحدة، بل عدة افكار طوال مراحلها.

فمثلا لعبة (الأوراق، رجاءا – Papers, Please)، رغم صغرها، حيث تلعب دور ضابط مراقبة حدود. ويجب عليك فحص جوازات السفر والوثائق الأخرى للمسافرين. فانت من لديه خيار ترك الناس تعبر او لا.

قد يُعرض عليك أم لديها أوراق مرفوضة، ولكن يجب عليها السفر لاجل ابنائها المرضى، فهل ترضى بذلك؟ ماذا لو كان إرهابيا يريد تفجير المكان وانت لا تعلم؟ كل ذلك في إطار يجعلك دائم التسائل عن فكرة واحدة (هل اتركه يمر؟)

او ماذا ستفعل عندما تلعب لعبة ما، وتكتشف أنك أنت من يجب عليه التضحية بنفسه لانقاذ العالم، فالان الخيار بين يديك، أتفعلها وتصبح الشمعة التي تحترق لأجل الجميع، أم تحاول إيجاد مسار آخر؟

الكثير من الألعاب تُقدم افكار المطور، وقد يجعلك تتسائل اسئلة فلسفية عن ما حولك وعن القرارات او حتى يعرض المطور حله الخاص لمشكلة ما وأنت من تُقاد إلى ذلك الحل.

وقد يكون ذلك عبر القصة وسرد الاحداث او بالفعل عبر قرارات مهمة يجب عليك انت كلاعب اتخاذها.

إيصال الثقافة

اعرف الكثير من أصدقائنا العرب ممن يتخذون الألعاب كطريقة لإيصال الثقافة العربية عبر ألعابهم، وذلك لأن الألعاب بالفعل طريقة رائعة لدمج المستخدم/اللاعب في الثقافة العربية.

لعبة RDR2، وضعت اللاعب في حياة الغرب الأمريكي القديم، فترى أسلوب العصابات والحياة الصعبة هناك وطرق جني المال وحتى أشكال البنايات والبيوت.

كل ذلك هو ثقافة ذلك الوقت، والكثير من الألعاب تحاول قدر الامكان نشر الثقافات الخاصة بها.

فالثقافة هي : بعض جوانب السلوك الإنساني، والممارسات الاجتماعية والأشكال التعبيرية مثل الفن، الموسيقى، الرقص، الطقوس، والتقنيات مثل استخدام الأدوات، الطبخ، المأوى، والملابس.

وكي تعرض ثقافة ما مثل الثقافة العربية أو الإسلامية، فقد تتخذ واحدة او مجموعة او حتى كل تلك الأشكال التعبيرية، فقد تصنع لعبة حول الطعام العربي، وبها يوجد طريقة اعداد السَمبوسة !

كما يمكنك استخدام الرسوميات، فتصمم مراحلاً بها الثقافة التي تريدها، او تستعمل المؤثرات الصوتية للتعبير عن شعور أهل تلك الثقافة حول شيء ما.

الألعاب كوسيلة

دور اللعبة الحقيقي هو إمتاع اللاعبين، الترفيه عنهم والترويح عن النفس، ولكن نظرا لكونها طريقة لعرض المحتوى، فهي مثل جميع طرق عرض المحتوى الآخرى، قد تتضمن رسائل خاصة.

يمكن استعمال المشاعر لجعل اللاعب يستمتع اكثر، فيمر بعدة مشاعر لم يخُضها من قبل أو لم يمزجها من قبل، مثل الشجاعة والرومانسية ! ويمكن استعمالها لإيصال رسائل اجتماعية او حتى سياسية.

بل يمكن بها حل مشاكل ثقافية، فإن ظن الجميع سوءا حول ثقافة ما، قد تتضمن اللعبة الجانب الحسن من تلك الثقافة أو اللعب بمنظور أهلها للعالم و جانبهم الخاص من الأمر.

الألعاب بالفعل مختلفة عن اي نوع اخر من المحتوى الالكتروني، فهي الطريقة الوحيدة التي تجعل المستخدم يتفاعل مع الأحداث، بل ويقرر بنفسه طريقة سير الأحداث، فيتخذ موقف المسؤول الرئيسي للقصة وموجهها.

العاب اقترحها

أؤمن أن مطور الألعاب يجب عليه اللعب حتى يصبح خبيرا ! بالاخص مطور الألعاب المستقل أو من أراد الاختصاص في مجال (تصميم الألعاب – game design)، لذا ها أنا اقترح بعضا من الألعاب التي أراها تقدم أفكارا ورسائل مهمة.

جميع الألعاب المذكورة !

الألعاب التي ذكرتها في هذه التدوينة هي العاب مُلهمة بالفعل، أي نعم قد يصعب لعب جميعها، ولكن للأسف مشاهدتها لا تكفي، بل عليك المحاولة وإيجاد طريقة بالفعل للعبها، حتى تأخذ التجربة خاصتك وتراها بنفسك.

Celest, Inside, Bastion, OMORI, Florence

جميع هذه الألعاب هي ألعاب مستقلة، وذلك حتى يتضح أن حتى المطورين المستقلين لديهم القدرة على إنشاء العاب ذات رسائل ضمنية، منها التي توضح الاكتئاب وتأثيره علينا، ومنها ما توضح توطئ العلاقات بين المتحابين !

Disco Elysium, This War of Mine, Outer Wilds, A Plague Tale: Innocence, it takes two

أما هذه الألعاب فاغلبها كان من شركات واستديوهات خاصة، وقد قدمت هذه الألعاب تاريخاً وثقافات لأماكن وأوضاع مختلفة، منها التي تدور حول الحرب، ومنها التي أحداث ووقائع الطاعون وطريقة التعامل معه.

تحديات

مصمم اللعبة – game designer هو الشخص المسؤول عن فكرة اللعبة وقصتها. قواعد اللعب وتقنياتها. الشخصيات والعوالم. المستويات والتحديات. وتجربة اللاعب بشكل عام.

لذا واحدة من أعماله هو إيصال هذه الرسائل والمشاعر والأفكار والثقافات للاعب، فمن ناحية كيف يفعلها هذا، فذلك تحدي كبير، لأنه قد يتداخل كثيرا مع بقية عناصر اللعبة.

على سبيل المثال، أن كانت اللعبة تتحدث عن الحروب، فهل يجب أن يضيف عائلات بريئة؟ ماذا أن كانت اللعبة تهدف لتصنيف الاكشن وطابع اللعب السريع، فهل وقتها يجعل اتخاذ القرار سريعا أم بطيئا؟

لو كان سريعا فلربما يتخذه اللاعب مباشرة دون تفكير، وهكذا لن تصله الفكرة من الاساس، ولن يصل له شعور بانه اتخذ قرارا صعبا، بل لربما لن يعرف حتى ينتهي من اللعبة ثم يكتشف بعد فترة من مراجعات اللعبة.  ولو كان هذا القرار بطيئا في الاتخاذ، فهكذا وقف امام تصنيف اللعبة الأصلي وهو طابع اللعب السريع.

او العكس، فلربما توجه اللعبة هو إيصال المشاعر، مثل “ما هي السعادة والمزاح”، فهل تضيف دما في اللعبة؟ الاكيد لا، او ربما نعم ! ومن يحدد ذلك هو المصمم.

كما أن التحديات ليست في إيصال تلك الامور فقط، بل يوجد تحدي أكبر وهو إمكانية إيصال أفكار مُعاكسة فتصبح متطرفة أو ضارة، فيجب على المصمم أخذ الحيطة في الأمر.

ذلك كله دون التحدث عن صعوبة قياس تأثير تلك القرارات على اللاعب بالفعل، فهل وصل شعور الحزن والخوف والضحك والسعادة؟ هل بالفعل بدء يتفكر حول القضية الموضوعة في اللعبة؟ فلا يمكن تحديدها بسهولة.

ختاما

أن هذا الموضوع لأحد أكبر المواضيع في عالم تطوير الألعاب، اردت الحديث عن الرواية والسرد ودورها، وأردت التحدث عن التقنيات وكيفية دمجها لإيصال المشاعر، او التكلم اكثر عن الرسوميات وتأثيرها في إيصال الأفكار والثقافات.

ولكن تلك مواضيع كبيرة، بل لكلا منها تخصصه الخاص، اي نعم يدخل في جميعها مصمم اللعبة حتى يُقدم اللعبة المرغوبة ذات ارادة المطور وإيصال جميع الرسائل التي يريدها المؤلف. إلا أن ذلك لا يمنع حتى مطور الألعاب المستقل من دمج جميع ذلك مع نفسه.

تطوير الألعاب عملية ممتعة تحمل الكثير مما يميزها، ويمتاز المجال بالفعل بأسلوبه الخاص في إيصال الرسائل التي تدمج فيها المستخدم (اللاعب) مع كل هذا.

أخبرني بألعاب قد لعبتها من قبل قد قدمت بالفعل رسائل اذهلتك، بل حاول عندما تلعب المرة القادمة ملاحظة الأساليب التي استعملها المطور لإيصال تلك الرسائل.

مصادر:

مصدر 1، مصدر 2، مصدر 3، مصدر 4، صورة 1، صورة 2، صورة 3

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments